ابراهيم بن عمر البقاعي

212

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما ذكر سبحانه اختلاف الذوات الدال على بديع صنعه ، أتبعه تغييره المعاني آية على بليغ قدرته ، فقال في موضع الحال من فاعل « خلقكم » إشارة إلى أن اللّه تعالى صور آدم حين خلق الأرض قبل أن يكون ليل أو نهار ثم نفخ فيه الروح آخر يوم الجمعة بعد أن خلق النور يوم الأربعاء ، فلم يأت على الإنسان حين من الدهر وهو مقدار حركة الفلك إلا وهو شيء مذكور : يُولِجُ أي يدخل على سبيل الجولان اللَّيْلَ فِي النَّهارِ فيصير الظلام ضياء . ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب ، وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفا فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة : نبه عليه بإعادة الفعل فقال : وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ فيصير ما كان ضياء ظلاما ، وتارة يكون التوالج بقصر هذا وطول هذا ، فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار . ولما ذكر الملوين ذكر ما ينشأ عنهما فقال : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثم استأنف قوله : كُلٌّ أي منهم يَجْرِي ولما كان مقصود السورة تمام القدرة ، والسياق هنا لقسر المتنافرات على ما يزيد ، ولذلك ختم الآية بالملك الناظر إلى القسر والقهر لم يصلح لهذا الموضع حرف الغاية فقال : لِأَجَلٍ أي لأجل أجل مُسَمًّى مضروب له لا يقدر أن يتعداه ، فإذا جاء ذلك الأجل غرب ، هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم ، فيختل جميع هذا النظام بأمر الملك العلام ، ويقيم الناس ليوم الزحام ، وتكون الأمور العظام . ولما دل سبحانه على أنه الفاعل المختار القادر على كل ما يريد بما يشاهده كل أحد في نفسه وفي غيره ، وختم بما تتكرر مشاهدته في كل يوم مرتين ، أنتج ذلك قطعا قوله معظما بأداة البعد وميم الجمع : ذلِكُمُ أي العالي المقدار الذي فعل هذه الأفعال كلها اللَّهُ أي الذي له كل صفة كمال ؛ ثم نبههم على أنه لا مدبر لهم سواه بخبر آخر بقوله : رَبُّكُمْ أي الموجد لكم من العدم المربي بجميع النعم لا رب لكم سواه ؛ ثم استأنف قوله : لَهُ أي وحده الْمُلْكُ أي كله وهو مالك كل شيء وَالَّذِينَ تَدْعُونَ أي دعاء عبادة ، ثم بيّن منزلتهم بقوله : مِنْ دُونِهِ أي من الأصنام وغيرها